القاضي عبد الجبار الهمذاني

77

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قيل : فما قولكم في الإمام ، إذا جوزتم أن يخطئ في إقامة الحدود وتنفيذ الأحكام ، من حيث لم تقولوا بعصمته ، بل جوزتم الخطأ عليه ؟ أتقولون : إن ذلك يؤدى إلى فساد في الدين وزوال المصلحة واللطف ؟ قيل له : « 1 » إن كنت سألتنا مصححا لطريقتك ، فالكلام لازم لك في الأمير ، وفي سائر ما قدمنا ذكره . وإن كنت سألتنا على طريق الابتداء ، فقد اختلف شيوخنا في ذلك ، فعند شيخنا أبى على أن ما يأتيه من ذلك يجوز أن يكون صلاحا في الدين ولطفا ، فإن أصاب الحق فقد وقع موقعه ، وإن أخطأ فعل تعالى ما يقوم مقامه في كونه مصلحة من الآلام وغيرها ؛ لأن الحدود مفعولة فيه ، ولا تكون صلاحا بأن تقع باختياره كالصحة في غيره ، فلا يمتنع أن يسد مسده مما يفعله تعالى من الآلام ، فلا يؤدى إلى فساد أصاب أو أخطأ . فأما شيخنا أبو هاشم فإنه يقول فيما يأتيه الإمام ويقوم به إنه من مصالح الدنيا ؛ لأنه ليس فيها إلا اجتلاب نفع عاجل ، أو دفع ضرر عاجل ، دون الثواب والعقاب . فإذا صح فخطؤه إن أخطأ لا يؤدى إلى فساد في الدين ، كما لا يؤدى الخطأ في سائر ما يتعلق بالمأكل والمشرب إلى غير ذلك ، وقد نقضنا القول في ذلك في باب النبوات ، وبينا أن الأصح ما ذكرناه ثابتا « 2 » ، وبينّا سائر ما يتصل به فلا يجب أن يكون الإمام معصوما ، بل لا يمتنع أن لا يكون ظاهر الستر ، على أنه يلزمهم أن يكون الشاهد الّذي يشهد على السرقة والربا وغيرهما معصوما ، وإلا أدى إلى الفساد في الدين بأن يقيم الحد على من لا يستحقه إذا غلط في الشهادة أو زور فيها ، وهذا يوجب عصمة الشهود ، بل يوجب عصمة السارق إذا أقاموا عليه الحد بإقراره . وكل ذلك يبطل تعلقهم بهذه الطريقة ، ويبين طريقة الكلام في هذه الشهادة وما جانسها .

--> ( 1 ) الأولى حذف ( له ) ( 2 ) ( لعلها سابقا ) .